القضاء الدستوري في لحظة استثنائية: إدارة فراغ الرئاسة في فنزويلا

عبد العالي10 يناير 2026آخر تحديث :
القضاء الدستوري في لحظة استثنائية: إدارة فراغ الرئاسة في فنزويلا

زهير حميدوش
في لحظة استثنائية وملتبسة من تاريخ الدولة الفنزويلية، تدخلت الغرفة الدستورية بالمحكمة العليا لتقول كلمتها، لا بصفتها فصلا في نزاع، بل باعتبارها حارسة لاستمرارية النظام الدستوري في ظرف وصفته هو نفسه بأنه غير مسبوق. فالقرار الصادر لا يفهم إلا في ضوء واقعة مركزية اعتبرتها المحكمة ثابتة وعلنية، تتمثل في الغياب القسري لرئيس الجمهورية نتيجة تدخل عسكري أجنبي، وهو ما رأت فيه حالة استحالة مادية ومؤقتة تحول دون ممارسة الرئيس لاختصاصاته.
ما يلفت الانتباه ابتداء هو أن الغرفة لم تتحرك بناءً على طلب أو إحالة من سلطة أخرى، بل أعلنت صراحة أنها تمارس اختصاصها من تلقاء نفسها، استنادا إلى وظيفتها بوصفها المفسر للدستور. هذا المعطى يؤطر القرار كفعل قضائي مبادر، تبرره المحكمة بكون الوقائع عامة، موثقة، ولا تحتمل الانتظار، بما يجعل التدخل القضائي – في تصورها – واجبا لا خيارا.
ومن حيث المضمون، لم يقتصر القرار على تفسير مجرد لنصوص الدستور، بل انصرف إلى ترتيب آثار عملية مباشرة. فقد خلصت الغرفة، بعد تفسير منهجي وغاياتي لمقتضيات الدستور المتعلقة بالغياب المؤقت للرئيس، إلى اعتبار أن الوضع القائم يندرج ضمن هذا الإطار، وأنه يقتضي تفعيل آلية الحلول المؤقت. وعلى هذا الأساس، قضى منطوق القرار بتولي نائبة رئيس الجمهورية ممارسة الاختصاصات الرئاسية بصفة فورية، ضمانا لاستمرارية الدولة وحسن سير مؤسساتها، ودون أن يشكل ذلك حسما نهائيا في توصيف الوضع الدستوري للرئاسة أو في مآلاته اللاحقة.
ويحرص القرار، في أكثر من موضع، على التأكيد أن هذا التدبير لا يعني إعلان شغور نهائي، ولا ينطوي على عزل أو إنهاء للولاية الرئاسية، بل هو إجراء احترازي ووقائي، اتخذ في ظل حالة ضرورة، وبغاية واحدة معلنة: منع الفراغ الدستوري وحماية النظام القانوني من الانقطاع. بهذا المعنى، فإن الأثر الذي يحدثه القرار هو أثر وظيفي مؤقت، لا يعيد توزيع الشرعية السياسية، ولا ينشئ مركزا دستوريا جديدا، بقدر ما يفعل آلية منصوصا عليها أصلا، ويكيفها مع ظرف استثنائي لم يتنبأ به الدستور صراحة.
أما من حيث الحجية، فإن القرار يستمد قوته الإلزامية من كونه صادرا عن الغرفة الدستورية بصفتها المفسر للدستور، وهو ما يجعل آثاره ملزمة لكافة السلطات العامة، دون حاجة إلى تصديق أو إجراء لاحق. غير أن هذه الحجية، وإن كانت كاملة من حيث الإلزام، تظل محدودة من حيث المدى، لأنها مرتبطة بطبيعة القرار المؤقتة وبالأساس التفسيري الذي قام عليه، ولا تمتد – من حيث المبدأ – إلى تثبيت وضع دائم أو غير قابل للمراجعة.
ويستفاد من لغة القرار ومن توصيفه كإجراء عاجل ووقائي أن نفاذه فوري، فرضته اعتبارات الاستعجال القصوى، إذ إن أي تأخير في التنفيذ كان سيفرغ التدخل القضائي من غايته الأساسية. فالزمن هنا ليس عنصرا محايدا، بل جزء من المنطق الدستوري الذي حكم القرار، حيث تقاس المشروعية بقدرتها على منع الانهيار لا بترف الانتظار.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا القرار كحكم قضائي تقليدي، ولا كفتوى دستورية مجردة، بل كصيغة هجينة يمارس فيها القضاء الدستوري وظيفته التفسيرية في أقصى حدودها، متكئا على منطق الضرورة، ومخاطرا بالاقتراب من تخوم الفعل السياسي. وهو تدخل يثير، بقدر ما يحل، أسئلة عميقة حول موقع القاضي الدستوري حين تتحول النصوص من قواعد هادئة إلى أدوات لإدارة الاستثناء.
زهير حميدوش ـ محام وباحث في العلوم القانونية والسياسية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

خبر عاجل