ميديا نت – الرباط
أعاد نقاش “مدارس الريادة” إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طريقة تنزيل الإصلاح التربوي بالمغرب، وحدود المقاربة التقنية المعتمدة من طرف المركز، في ظل مخاوف متزايدة من تكرار سيناريوهات فشل سابقة كلفت الدولة أموالاً طائلة دون أثر ملموس على جودة التعلمات.
في هذا السياق، أثارت تدوينة للباحث التربوي والمدير الإقليمي السابق أحمد كيكيش جدلاً واسعاً داخل الأوساط التعليمية، بعدما وجّه انتقادات لاذعة لمخرجات مشروع “مدارس الريادة”، محذراً من مخاطر “الريادة بدون رياضة فكرية ومواطنة”، معتبراً أنها تشكل تهديداً حقيقياً للأجيال وللوطن.
كيكيش، الذي راكم تجربة ميدانية في تدبير الشأن التربوي بعدد من الأقاليم، اعتبر أن الفريق المركزي المشرف على المشروع فشل عملياً في إرساء أسس مدرسة الريادة، ليس فقط في مرحلة التنفيذ، بل منذ مرحلة المعالجة البيداغوجية، مروراً بالتعليم الصريح، وصولاً إلى التقييم. أخطر ما سجله المتحدث هو ما وصفه بـ“الانفصام الحاد” بين التحقق الداخلي للتعلمات والتحقق الخارجي، وهو ما يفرغ التقييم من وظيفته التربوية ويحوّله إلى أداة تقنية صمّاء.
ويرى كيكيش أن هذا الانفصام ناتج عن تحيز واضح لما سماه “جهة المال العام”، أي الجهات الخارجية التي ستتولى عملية التقييم، محذراً من أن اختزال جودة التعليم في مؤشرات تقنية ولغوية، خصوصاً مرتبطة باللغة الفرنسية، قد يقود إلى “كارثة تربوية ثانية”، شبيهة بما وقع خلال تنزيل البرنامج الاستعجالي.
وتزداد حدة هذه المخاوف في ظل تداول معطيات عن إطلاق صفقات وُصفت بالثقيلة، تقدر بحوالي أربعة ملايير سنتيم، لتقييم “مدارس الريادة”، وهو رقم يطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات الإصلاح، وجدوى صرف هذا الحجم من المال العمومي في غياب نقاش عمومي شفاف، وتقييم بيداغوجي مستقل يسبق التوسع في المشروع.
عدد من المتابعين للشأن التعليمي يعتبرون أن التجربة المغربية مع الإصلاحات المتسرعة لا تبعث على الاطمئنان، خاصة وأن ملفات البرنامج الاستعجالي لا تزال عالقة أمام القضاء، شاهدة على كلفة الخيارات غير المحسوبة. وهو ما يجعل الدعوة إلى تدخل المجلس الأعلى للحسابات أمراً ملحاً، ليس بعد وقوع الضرر، بل قبله، عبر افتحاص وقائي يضمن حماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الرهان الحقيقي، كما يؤكد فاعلون تربويون، لا يكمن في تغيير المسميات أو ضخ الأموال، بل في بناء إصلاح يستند إلى رؤية بيداغوجية واضحة، تُشرك المدرس، وتحترم عقل المتعلم، وتوازن بين التقييم والدعم، بدل إعادة إنتاج منطق “الإصلاح من فوق” الذي أثبت محدوديته.
فهل تستوعب وزارة التربية الوطنية دروس الماضي، أم أن “مدارس الريادة” تسير على خطى برامج سابقة، عنوانها الكبير الطموح، ونهايتها المعروفة الهدر والإخفاق؟


































