“الذكاء الاصطناعي كتب مقال الجلباب…ومحاولة ضرب العامل بحرب سياسية بالوكالة”

عبد الرزاق10 مارس 2026آخر تحديث :
“الذكاء الاصطناعي كتب مقال الجلباب…ومحاولة ضرب العامل بحرب سياسية بالوكالة”

من يقرأ المقال المتداول حول ما سمي بـ”البروتوكول العاملي” في إقليم آسفي يلاحظ منذ السطور الأولى أنه مكتوب بلغة إنشائية حادة ومشحونة بالإيحاءات، أكثر مما هو قائم على الوقائع أو المعطيات الدقيقة. بل إن طريقة صياغته، وكثرة الأسئلة البلاغية والعبارات الجاهزة، توحي بأن النص أقرب إلى مادة إنشائية صيغت بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تُطعم بعبارات محلية لإعطائها طابعا سياسيا موجها.
غير أن الإشكال الحقيقي ليس في استعمال التكنولوجيا، بل في توظيفها لصناعة خطاب يوحي بالتحليل العميق بينما يخفي في جوهره أجندة سياسية ضيقة.
أولا، يتعمد المقال استعمال عبارة “الجلباب” بطريقة إيحائية للإشارة إلى شخص بعينه دون تسميته، والمقصود هنا على ما يبدو هو رئيس المجلس العلمي. وهذا الأسلوب لا يخدم النقاش العمومي بقدر ما يحاول خلق صورة ساخرة أو مستفزة لدى القارئ، رغم أن حضور شخصية دينية في بعض الأنشطة الرسمية ليس أمرا استثنائيا في السياق المؤسساتي المغربي، حيث يحضر العلماء او وزير الاوقاف مع أمير المؤمنين الملك محمد السادس.
ثانيا، محاولة تصوير الأمر وكأنه “تبرك” أو “استنجاد بالدعاء بدل التخطيط” هو اختزال متعمد للواقع. فالإدارة العمومية لا تدار بالرمزية الدينية فقط كما يوحي المقال، ولا تختزل التنمية في حضور شخص أو غيابه في نشاط بروتوكولي.
لكن ما يتجاهله المقال عمدا هو السياق السياسي الحقيقي الذي تعيشه الساحة المحلية في آسفي. فالمعروف أن عامل الإقليم، منذ تعيينه، اختار أن يحافظ على مسافة واضحة من مختلف الفاعلين السياسيين، ولم يسمح بإعادة إنتاج التركيبة غير الرسمية التي كانت سائدة في السابق، والتي هيمنت عليها بعض الوجوه السياسية التي اعتادت الاقتراب من مركز القرار الإداري والسمسرة باسمه و ربط علاقات وجب اعتبار وتقديم واجب التحفظ لمكانة ورمزية عامل الإقليم.
هذا الموقف لم يرق لبعض الأطراف التي كانت ترى في الإدارة الترابية امتدادا لنفوذها، أو على الأقل مجالا للتأثير غير المباشر. ومع مرور الوقت بدأت أوراق عدد من هؤلاء تتكشف أمام الرأي العام، بعدما أصبح من الصعب الاستمرار في نفس الأساليب القديمة.
وفي خضم هذا السياق، تبدو بعض المقالات أو الحملات الإعلامية وكأنها محاولة للضغط أو لتصفية حسابات سياسية بشكل غير مباشر.
بل إن بعض المتتبعين يربطون هذا التوتر بما يتداول حول تحركات وزارة الداخلية في اتجاه فتح ملفات تتعلق بتدبير الشأن المحلي، وهي ملفات قد تفضي إلى تفعيل مساطر قانونية، من بينها مساطر العزل في حق بعض المنتخبين او إحالتهم على محاكم جرائم الأموال إذا ثبتت اختلالات في تدبيرهم. ومعلوم أن مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، تتابع جيدا ما يجري في الساحة المحلية وتدرك بدقة خلفيات كثير من التحركات والخطابات.
لذلك فإن محاولة تحويل نقاش التنمية في آسفي إلى جدل حول “الجلباب” و”التبرك” ليست سوى تشتيت للنقاش الحقيقي وإبعاد للأنظار عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالتدبير المحلي والمسؤوليات السياسية والانتخابية.
إن النقد حق مشروع، بل وضروري في أي مجتمع ديمقراطي، لكن قيمته الحقيقية تكمن في الوضوح والموضوعية والابتعاد عن التلميحات المغرضة أو الحملات المقنعة.
أما آسفي، فهي اليوم في حاجة إلى نقاش جاد حول المشاريع والبرامج والبدائل التنموية، لا إلى معارك إعلامية تدار بالنصوص الإنشائية وتحرك بخلفيات سياسية ضيقة من اجل الترويج لحملات انتخابية سابقة لأوانها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

خبر عاجل