لم تعد مواجهة المخدرات بجمعة سحيم مجرد حملات أمنية عابرة تنتهي بانتهاء العملية، بل أخذت، خلال الفترة الأخيرة، منحى أكثر تركيزاً يقوم على الرصد الدقيق، وتتبع الخيوط، والوصول إلى الأماكن التي يُشتبه في استخدامها للترويج والتخزين.
ومنذ تولي محمد إفا قيادة المركز الترابي للدرك الملكي بجمعة سحيم، برز أسلوب أمني يقوم على الانتقال من التعامل مع الظاهرة في واجهتها إلى ملاحقة امتداداتها في العمق، حيث لا يكفي توقيف مستهلك أو مروج صغير، بل يصبح السؤال الأهم هو من يقف خلفه وأين توجد منابع الترويج.
البداية حملت تركيزاً واضحاً على بعض النقاط التي كانت تثير شبهة استهلاك وترويج المخدرات، خصوصاً المقاهي والأماكن التي قد تتحول إلى ملاذ للمستهلكين والمروجين. وكانت تدخلات الدرك، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية، تستهدف هذه البؤر بشكل مباشر، في رسالة مفادها أن الأماكن المفتوحة لن تكون بمنأى عن المراقبة الأمنية.
لكن المسار لم يتوقف عند هذا الحد.
شيئاً فشيئاً، انتقلت العمليات من الواجهة إلى العمق، ومن مطاردة المروجين في الشارع إلى تتبع مسارات التخزين والتوزيع. وفي هذا السياق، كشفت عمليات متتالية خلال سنة 2026 عن حجز كميات مهمة من مخدر الشيرا والكيف، بينها عملية مرتبطة بمخزن سري داخل ضيعة فلاحية، حيث تم حجز عشرات الرزم، وقدرت إحدى التقارير الكمية المحجوزة بما بين 30 و40 كيلوغراماً.
وفي عملية أخرى، جرى حجز 81 رزمة من الشيرا داخل بناية مهجورة، بعد تتبع تحركات مشبوهة، فيما شهدت عمليات لاحقة حجز 70 رزمة من الشيرا خلال محاولة نقلها، إلى جانب عمليات أخرى أسفرت عن حجز كميات من الكيف والشيرا وتوقيف مشتبه في ارتباطهم بالترويج أو الاستهلاك.
واللافت في هذا المسار أن العمليات لم تعد تبدو منفصلة عن بعضها، بل تكشف عن نمط متكرر: معلومة أولية، ثم مراقبة وتتبع، فاختيار التوقيت المناسب للتدخل، قبل الانتقال إلى التحقيق لكشف باقي الخيوط.
وفي يوليوز الماضي، وصلت التدخلات إلى مروجة للمخدرات كانت، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية، موضع اشتباه ومتابعة منذ مدة، قبل أن تداهم عناصر الدرك مكاناً كان يُستعد لتحويله إلى فضاء للترويج، حيث جرى حجز كمية من الشيرا والكيف ومسكر “الماحيا” ومبالغ مالية، مع فتح بحث لتحديد باقي المتورطين المحتملين.
ثم جاءت عمليات شتنبر لتؤكد استمرار النهج نفسه، بعدما أوردت مصادر إعلامية حجز نحو 20 كيلوغراماً من الكيف ونصف كيلوغرام من الشيرا، قبل أن تتوالى عمليات أخرى أسفرت عن حجز كميات إضافية وتوقيف أشخاص يشتبه في صلتهم بالمخدرات.
وبين عملية وأخرى، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الموقوفين أو حجم المحجوزات، وإنما على تضييق المساحة التي يتحرك فيها المروجون، وتجفيف بعض القنوات التي تسمح للمخدرات بالوصول إلى المستهلك.
وهنا تبرز تجربة محمد إفا في قيادة مركز الدرك بجمعة سحيم باعتبارها مساراً أمنياً يقوم على التدرج في المواجهة: من المقاهي والنقاط المشبوهة، إلى المروجين، ثم إلى أماكن التخزين وعمليات النقل.
فهل اختفت المخدرات من جمعة سحيم؟ بالتأكيد لا يمكن القول بذلك، لأن الظاهرة أعقد من أن تنتهي بعمليات أمنية مهما كانت قوية. لكن المؤكد، وفق تسلسل العمليات والمعطيات المنشورة، أن هامش الحركة أمام المروجين أصبح أضيق، وأن يد الدرك باتت تصل إلى مستويات أعمق من شبكة الترويج.
وفي النهاية، فإن نجاح أي مقاربة أمنية لا يقاس فقط بما يُحجز في يوم واحد، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وتراكم المعلومات، وتفكيك الخيوط، والوصول إلى منابع الظاهرة بدل الاكتفاء بملاحقة مظاهرها.
وبجمعة سحيم، يبدو أن المعادلة أصبحت أكثر وضوحاً: كلما حاولت المخدرات أن تجد لها منفذاً، كان الرصد في انتظارها.













































